تعب المفكرون والنقاد وهم يحاولون إيجادَ تعريفٍ للشعر، وهم يدركون أنهم لا يمكنهم تعريف ما لا يقبل العقلنة، ولا يستقر على ميلٍ أو عقلٍ أو جنون، ولا يخضعُ لسقفٍ، ولا يقبل من القوانين إلا تلك التي تحفظ له بريقه، وترياق خلوده، ومن مكونات هذا الترياقِ الصورةُ والخيال، والنهلُ من منابعِ الجمال، والثقافةُ التي لا تعرف الحدود، والماءُ الذي لا يُحسِنُ الركود، وأنَّ سرَّهُ الأعظم في التفرُّدِ والاختلافِ عللا الصعيدين الشخصي والشعري.

لقد حاولتُ أن اقتربَ من معنى الشعر وأنا أتأمل نخيلَ شعرِنا العربي، تلك القامات الباسقة الخضراء، والرموز العظيمة التي تتوالدُ ولا تهرمُ عبر التاريخ.

والنخلةُ رمز، والشعر الخالد يعتمد على الرمز، وعلى الإحالةِ والتجريد أكثرَ من الإشارة والتحديد والتقييد، فالشعرٌ حُرٌّ يحلق كما يريد.

كلُّ مفردةٍ تحِيلُ إلى تاريخٍ أو ثقافةٍ أو حضارة.

وكلُّ رمزٍ يختصرُ ويثري ويفيد.

لذلك لن تكون شاعراً خالداً وأنت لا تمتلك أنهارَ المعرفةِ، وينابيعَ الثقافات والحضارات

والوعيَ بالعالمِ مصهوراً في الذات، تلك الذات المتميزة القلقة، لكنها على رسوخٍ وثبات.

فالشعرُ عدوُّ الجهل، لكنه عدوُّ التكرار والنمطيةِ أكثر، فقد يأتي من الأميِّ شعراً صافياً عبرَ ذكاءٍ فطريٍّ، أو حكمةً بليغةً، لكن التكرار لا يُولِّد إلا إعاداتٍ مشوهةٍ لولاداتٍ أولى.

ومن تأملاتي في نخلةِ الشعر العربي، بل نخيله، وجدتُ أنَّ: "الشعرَ كالحُبِّ ليس له تعريف دقيق، ولا توصيفٍ عميق، لكنه أقرب ما يكون للشجر، متشابه، وغير متشابه، له تربته المعرفية، وله جذوره الضاربة في التاريخ، وله بوصلة الاستدلال على الينابيع، وله القدرة على شق الأرض والحجارة، كما أنَّ له القدرة على التشبث بها. والشعر كالشجر يسمو دائما نحو الشمس والأفق -وهو ما يُفترضُ أن يكونَ عليه الشاعر- يزهرُ ويثمرُ، وتعزفُ من خشبه أعواد الدهشة، وتردد خلفه أصوات المنشدين.

يقاوم الريح، ويتثنى مع النسيم، ويمزج الأضداد، فهو على سَفَرٍ.. ومُقِيم.

وظلالُه خاصة ومشاعة، وفاكهتهُ مُحللة، مُحَرَّمَة..!

والشعر ليس له زمن، فهو متداخلٌ من ناحيتي التاريخ والقيمة: قديمٌ حديث، وحديثٌ حديث، وحديثٌ قديم.

وهو كالماء والأواني المستطرقة، يتشكل كيف يشاء، لكنه في النهاية ماء..!

أكتبُ وأستعيدُ هذا، وأنا قد أكملتُ تصفحَ "الأعمال الشعرية" لشاعرٍ مختلفٍ أثرى حياتنا بأعمال فنية رائدة، شاعرٍ خالدٍ في قلوب السعوديين ووطنهم، شاعر أجمعت القيادة والشعب على حبهِ وتكريمه، ووضعه في مكانه اللائق، وهذا الإجماعُ ظاهرةٌ نادرة، وهو ظاهرة لأنه لم يتحقق لعشرات الشعراء الخالدين.

فهناك أمثلةٌ عبر التاريخ لمن أحبته السلطات، ولم يعجب الشرائح المثقفة، أو عامة الناس، وهناك من نفَتْه السلطات وأطرب الناس.

مضى أكثر من نصف قرنٍ على هذه الحكاية، حكاية شاعرٍ مُولَعٍ بالجديد والتجديد، فقاد ثورةً حقيقية في عالم القصيدة الشعبية، وفن كتابة الأغنية، عبر شعرٍ يفِي بعهد ووعدِ الإبداع، ويصل إلى القلوب ويُشاع.

شاعرٌ لامس القلوب فاحتضنته، وأحاطته بالضلوع.

أوليس من النادر أن يتربع شاعرٌ لأجيال على عرش الأغنية، والقصيدة، والشعر الشعبي بأنواعه المختلفة، أكان تفعيلةً أم عموداً كشاعرٍ حديثٍ مجدد..؟!

ولعله من البديهي أن ندرَك أن الشاعر المقصود هنا، هو الشاعر الأمير، وإن شئت الأمير الشاعر بدر بن عبدالمحسن بن عبدالعزيز آل سعود.

الشاعر الذي تقلَّد الشعر، وترك المناصب التي كانت تناديه، واكتفى بنداء وعناء الشعر، وما يقوده إلى أنهار الخيال والصورِ الفريدةِ والجمال.

تضم الأعمال الشعرية خمسة دواوين: وقد تم طباعة ثلاثة منها لعدة مرات وهي: ما ينقش العصفور في تمرة العذق، ورسالة من بدوي، ولوحة ربما قصيدة.

أما الديوانان الجديدان فهما: "هام السحب" ويكفينا العنوانُ، ويغنينا عن مؤونةِ الشرح والتوصيف، إذ يضم القصائد الوطنية، ذائعة الصيت، والتي حفظها الناس كأغنياتٍ وطنيةٍ خالدة.

و"شهد الحروف" الذي يضم مجموعة كبيرة من قصائد التفعيلة والعمود، وهي بدورها أغنياتُ حُبٍّ وجمالٍ تغنى بها الناس، وبقيت علاماتٍ فارقة في تاريخ الفن السعودي لعقود، وكذلك أغنياتٌ جديدةٌ نسبياً.

فما الجديدُ في كل هذا..؟ّ!

الجديدُ هو ما ذكرته في المقدمة من توصيف للشعر الذي يبقى ويخلد، والذي ينطبق على شعر شاعرنا، أميرِ القلوب بالحب، وأميرها بالشعر العالي، وأميرها بالتواضع والقرب من الناس، بفهمهم ومن ثم كتابتهم حين يكتب نفسَه، وعن نفسِه كواحدٍ منهم.

فالناس تجد نفسها في شعره، المثقف وقليل العلم والقراءة، والبدوي والحضري.

لقد فهم بدر بن عبدالمحسن المعادلة الصعبة، وفك رموزها، واكتشف سرها، وهو لم يحتفظ بها لنفسه، لكن لم يستطع أحدٌ من الشعراء المجايلين، أو الذين أتوا بعده،  مجاراته فيما يحسن، في الفن الذي يعرف دروبه ليل نهار، فهو البدر في ليله، الشمس في نهاره، فظل نسيجَ وحدِه.

كلُّ شيءٍ واضحٌ لديه قبل القصيدةِ، أثناءها، وبعدها، وكذلك ما يريده من الشعر في النهاية، فهو جليٌّ واضح، نستدل على هذا من تجربته، ومما حققه ووصل إليه..!

وهو مسرحيٌّ من الطراز الأول، فلو كانت القصيدة أو الأغنية مسرحاً، لكان من أفضل من يعرف أسرار الخشبة، والديكور، والإضاءةِ، وحركة الممثلين، فهو الرائي وهو الكاتب والمُخرج، فهو دائم السعي لكي يكون الأفضل.

ورأينا ذلك في الأعمال الاستعراضية التي قدمها كأوبريتات "الجنادرية"، حفل افتتاح سوق عكاظ لعامي 2017، و2018، وحفل إعلان استراتيجية وزارة الثقافة 2019، وغير ذلك في "آخر الفرسان" و "توق".

يقول بدر بن عبدالمحسن: أنا دائماً أتخيل القصيدة في شكلها النهائي، وأعرف موضوعها، وأتخيل الأغنية، أتخيل كل عمل فني أنجزه، لكن ربما قادني عملي عليه إلى عوالمَ أخرى، أكثر اختلافاً وجِدَّة.

إن ما يتعب أو يزعج شاعرنا هو ما ليس واضحاً، ما لا يفهمهُ في الحياةِ، وفي الأعمال الإبداعية، وفي طريقة طرحها من قبل الجهات المختلفة.

وكي لا نقع في الخلط، فالوضوح المقصود هنا هو المعرفة والفهم، أما الغموض فأحد أسرار قصيدة البدر، ذلك الغموض الذي يدهش، لا الغموض المغلق الناتج عن عجزٍ في فهم الشعر، أو فهم التجديد، أو نقصٍ في الذخيرةِ، نعم الذخيرة، فالشعر في النهايةِ هو نضالٌ وكفاح، نضال الخير والنور والحق والحب ضد الشر والظلام والباطل والكره والحقد، نضالٌ زاده الحب والجمال.

 

ولكن هذه "الأعمال الشعرية" المضيئة ليست البدر كاملاً، إنها أشبه بالهلال في سعيه للتمام والاكتمال، فنتاج بدر بن عبدالمحسن غزير متنوع، فهي تمثل الجزء الأول من أعماله الشعرية، والبقيةُ تأتي بها الأيام.

وهذا من الناحية الشعرية فقط، لكن هنالك الأغاني التي تتجاوز خمسمئة أغنية، هناك اللوحات التشكيلية، وهناك الأعمال السينمائية الروائية.

ومع كل هذا يرى شاعرنا أنه لم يحقق حلمه بعد، فما يحلم به أكبر وأجمل، أعمال كبرى عالمية تليق بهذا الوطن الكبير.

وعلى ذكر ما يحلم به، كانت قصيدة "حلم" التي هي من أحدث أعماله، وهي قصيدة وطنية تلخص قصة الوطن الذي تحول من صحاري مقفرة، وتناحر قبائلَ، وقطاعِ طرق، إلى وطنٍ آمن مُوحَّد في مصاف الدول الكبرى، وهذا الحلم تحقق في سنوات حياتنا، أي في فترة قياسية نادرة في تاريخ الأوطان.

هذا الرجل لا يتعب من التفكير في التجديد، والتجريب.

فهل اتضح ما أريد الوصول إليه..؟!

حسناً، إن ما أريد قوله هو أن بدر بن عبدالمحسن يملك مشروعاً إبداعياً وطنياً كبيراً، ويعمل عليه بجلد وحرص، فالشعر وإن كان موهبةً، حتى وإن كان صِنعةً، لا بد من الاشتغال عليه.

لا بد من التعب عليه.

إنه مهمة، ومهمة صعبة، وهي أحياناً تبدو مستحيلة، لكن هذا المستحيل يتحقق، عندما نتعب للوصول إليه.

لقد عمل بدر بن عبدالمحسن على تنويع ينابيعه المعرفية وتجديدها، فالفن لديه متشابك متكامل، ولا يمكن للشاعر أن يبقى في عقول وأحاسيس الناس، وأن يخلد بلا ثقافة متنوعة راسخة، وعمل دؤوب على بناء المشروع الشعري، لذلك نراه قد قرأ التاريخ، بل هو مُولَعٌ به، وقرأ الأدب العربي قديمه وحديثه، والشعرَ "شعبيَّه وفصيحَه"، والرواية، كما قرأ الفن التشكيلي العالمي مبكراً بعينين تعرف قيمة الألوان، ويشعر بسعادةٍ وسكينةٍ وراحةٍ عندما يرسم، وشاهد الأفلام العربية والعالمية..

وكم سافر ويسافر، وتجول في البلدان، فعرف ثقافات وحضارات الشعوب،  لكنه قبل ذلك عرف وطنه، وتاريخ وطنه، وأهل وطنه، عاداتهم ولهجاتهم وتراثهم، آلامهم وآمالهم. 

والجميل فيه أنه متابعٌ جيد لا ينقطع، فهو يطالع الأخبار من مصادر مختلفة بالعربية والإنجليزية، ويقرن بينها.

 وهو متابعٌ جيد لما يستجد في الساحتين الثقافية والفنية، وله رأيه العميق الخاص، فهو طوالَ الوقتِ مفكرٌ متأمل.

إذاً، تأتي هذه الأعمال من شاعر له تجربته الشعرية والمعرفية الطويلة، ومن رصيد شعبي فني جماهيري ووطني كبير، ومن شاعر مجدد كبير،  لم يتخلَّ عن هويته، ولا عن تراثه الحضاري، ولا عن بداوته الأصيلة، ولا عن تحضُّرِهِ ورقيِّهِ، وهو يساهم مع غيرهِ من المبدعين في شتى المجالات، في رسم وبناء الامتداد الحضاري لوطنه الذي أصبح رائداً من رواد العالم الجديد، الوطن الذي أذهل العالم برؤيته، وتجاوزه لجائحة كورونا بعبقرية تقنية وصحية وأمنية واقتصادية كأقرب مثال، وكذلك قيادته وإدارته لقمة العشرين بحنكة وتخطيط، ورؤيته، ومبادراته التي تتوالى، وتذهل العالم، كالرياض الخضراء، والمملكة الخضراء، والشرق الأوسط الأخضر.

وطنٌ هو مصدر الطاقة الأول في العالم، وهو من أوائل من يحافظ على البيئة في نفس الوقت.

ولو تأملنا في أعمال بدر بن عبدالمحسن لوجدنا أنَّ الحُب هو الدم الذي يسري في شرايين هذه القصائد، وهو الذي أبقاها حيّة نابضة في قلوب الناس، فهو الدافع والمحرك، وهو الهدف والمقصد.

لأن الشعر عندما يُكتَب بحُب يصِلُ إلى القلب.

ولا غرابة في نهايةِ المطاف، أن يكون إهداء الشاعر لأعماله موقعاً بجملة: "للحُبِّ الذي أتمناه"، فالحب في السماء والأرض وما بينهما، وبدر بن عبدالمحسن هو شاعر الوطن والحب والجمال بامتياز.