السيدةُ شين شجرةُ الحروف (3)

 

أما شين الشنفرى في التحفة الفنية لامية العرب فتحكي حاله، وعزلته، ونأيه عن البشر، وحكمته كذلك، وهو هنا في قمة شعره، في أعظم وصف لأهله وأصدقائه من الذئاب الجائعة، حتى لكأنه فيلمٌ وثائقيٌّ عالميٌّ متقنٌ شيّق حديث، هذا ما تصوره لنا هذه الشاشة:

 

مُهَلَّلَةٌ شِيبُ الوُجُوهِ كأنَّها

قِدَاحٌ بأيدي ياسِرٍ تَتَقَلْقَلُ

أوِ الخَشْرَمُ المَبْعُوثُ حَثْحَثَ دَبْرَهُ

مَحَابِيضُ أرْدَاهُنَّ سَامٍ مُعَسِّلُ

مُهَرَّتَةٌ فُوهٌ كَأَنَّ شُدُوقَها

شُقُوقُ العِصِيِّ كَالِحَاتٌ وَبُسَّلُ

فَضَجَّ وَضَجَّتْ بالبَرَاحِ كأنَّها

وإيّاهُ نُوحٌ فَوْقَ عَلْيَاءَ ثُكَّلُ

وأغْضَى وأغْضَتْ وَاتَّسَى واتَّسَتْ به

مَرَامِيلُ عَزَّاها وعَزَّتْهُ مُرْمِلُ

شَكَا وَشَكَتْ ثُمَّ ارْعَوَى بَعْدُ وَارْعَوَتْ

وَلَلْصّبْرُ إنْ لَمْ يَنْفَعِ الشَّكْوُ أجْمَلُ

والمهللة رقيقة اللحم، والمهرّتة واسعة الأشداق. والشين كائنٌ عطريّ لا نخطئ شذاه، وهي في رائحة النبات الشميم والمشموم، وما أجمله وإن كان بعث على الحزن في بيت الصّمّة القشيري، وقد قاله على الأرجح وهو يغادر نجداً إلى الشام:

تمتعْ من شميمِ عرار نجدٍ

فما بعدَ العشيةِ من عرارِ

شُهُورٌ يَنْقَضِينَ وما شَعَرْنَا

بَأنْصَافٍ لَهُنَّ ولا سَرَارِ

وحاله في شعره، كحال مالك بن الريب التميمي، الذي رثى نفسه، في الحنين للوطن، وقد ماتا غريبين، وهما ممن التحق بالجيوش الإسلامية الناشرة للرسالة من أبناء القبائل العربية التي استند عليها القادة في الفتوحات، واليوم يشتمها، ويشتم العرب عن جهلٍ، بعض المثقفين الذين ينتسبون للضاد للأسف، حين لا يفرقون بين جمال النسب والأصل والهوية والحضارة، وقبح التعصب:

ألا ليتَ شِعري هل أبيتنَّ ليلةً

بوادي الغضَى أُزجي الِقلاصَ النواجيا

فَليتَ الغضى لم يقطع الركبُ عرْضَه

وليت الغضى ماشى الرِّكاب لياليا

لقد كان في أهل الغضى لو دنا الغضى

مزارٌ ولكنَّ الغضى ليس دانيا

ألم ترَني بِعتُ الضلالةَ بالهدى

وأصبحتُ في جيش ابن عفّانَ غازيا

أأدركتم جمال هذا الشطر:

وليت الغضى ماشى الرِّكاب لياليا

شجرٌ يمشي!! والغَضَى في المعجم: شجرٌ من الأَثْلِ خشبُه من أَصلب الخشب، وجمره يبقى زمانا طويلاً لا ينطفئ.

وكما أنّ للأرض والجنة شجراٌ، فإن للنار شجراً: (أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (62) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (63) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (64) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (65) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (66) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ (67) الصافات. ولا زالت « الشوب « دارجة لدى أهل الشام. وهي في الأنبياء شعيب، وله الحكمة والفصاحة، ولرسولنا محمد العربي الأمين صلوات الله وسلامه عليه الشفاعة، ولنوح الفلك المشحون، ولإبراهيم الخشية والخشوع والشجاعة في الحق، ولداود الجبال، والطير المحشورة، وفصل الخطاب:

(وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ * وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَاب) 17-20 ص.

والشين في النشء والنشوء والنشأة. وقد أنشأ الله الكون بكُن، وفي المشيئة ( وما تشاءون إلا أن يشاء الله)، ونحن نقول ما شاء الله لا قوة إلا بالله على كل ما نحب ومن نحب، وإن شاء الله في كل ما سنفعل، نتعوذ من الشيطان، ونسمي بالرحمن، مؤمنين لا نشرك به أحداً، فنشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ونطلبه أن يؤتيه الوسيلة والفضيلة، والدرجة العالية الرفيعة، وأن يبعثه المقام المحمود، وأن يرزقنا شفاعته، نعيش الحياةَ عاملين آملين، نسأله أن يهيئ لنا من أمرنا رشَدا ومرفقا، وأن يجعل لنا منه يسراً ومخرجا، مدركين أنها رحلة نهايتها السعادة أو الشقاء، موقنين بالبعث والحشر، راغبين في رحمته، ساعين إلى الجنة والبشرى.

والحياة مشاهد، ومشهدنا ومشهد العالم اليوم لا يسر، فكلّ شيءٍ يشيرُ إلى أننا في معظمنا نعيشُ الجاهليةَ الأولى، وأن الغرب يطبق شريعة القرون الوسطى والغاب، شرهٌ ووحشيةٌ وحروبٌ كريهةٌ، غابت الشورى والمشورة، كما غابت الدول، ونشأت دويلات وعصابات أصابت أمتنا بالشلل، فرقت الشمل، وشردت الآمنين، وأصبح أهل الشتات أكثر من أهل الديار. وانتشر السلاح فانتشر القتل والهدم والدمار، وأصبحت الأمة التي نشرت الرسالة والسلام، ورسخت مفهوم (وجعلناكم شعوباً وقبائلَ لتعارفوا) شيعاً وأشلاء، تتناهشها الأمم، حين فاض الشر، واختلقت المشاكل، وغُيّبت الحلول مع غياب الوعي، وكثر أهل الشقاق فيها فاتسع الشق، وأصبحت الحروب تشن بناء على شائعة، وباتت بعد الشموخ ذليلة، وبعد الحسن مشوهةً، وبعد الجنةِ الخضراء كالهشيم، لا حياة في معظمها إلا لغربان البين والشؤم، ولا مستقبل لها ما دامت هكذا متشرذمة جاهلة، تغتال شبابها، ولا تجد من ينتشلها من الهاوية التي أسقطوها فيها وهم يستبشرون.

ولو انصرفت الدول لتدبير شؤونها الخاصة، وتنمية مواردها وشعوبها، وكذلك البشر، فلو كان البدء بتغيير أنفسهم وما يشوبها من جهل، قبل شن الحروب لتغيير غيرهم، لما تفشى القتل، وشاعت القلاقل والفتن، ولما شُنت الغارات، ونشبت الحروب البشعة واشتعلت نيرانها التي لا تخمد.