الشاعر محمد جبر الحربي: يكسب المرء حربه بسلاح الحب والقلم

 

 

 

حوار_ شوق اللهيبي

– الشعر خلاصة التجارب والمعارف في كبسولة واحدة

– القيمة الحقيقية “انسان” وليس “بنيان “

– عملي الصحافي عرفني بقيمة الكلمة

– حصاد العلماء والأدباء دليل نبوغ وعبقرية

– نفتخر بقبائلنا العربية

– الثقافة من قبل كانت مغيبة ومُضطهدة

– المدينة المنورة هي الأصل والجذور 

لو أن الخلود يتجسد لأصبح ” قصيدة” بل وربما كانت الطريقة الوحيدة، التي يحمي فيها البشر مشاعرهم من التآكل والتلاشي هي كتابة القصائد، إن في الشعر سفر، ومطر، وجرحٌ في القلب استقر، وسحابةٌ ثقيلةٌ لا ينقصُ ماءها الغيث إذا انهمر، قد يشعر المرء أثناء القصيدة بكل أنواع المشاعر، بل وربما يعيش تجربة إنسان آخر كان، ومات قبل ألف عام، تحلل قلبهُ، وامتزج بالتراب، ولكن الشعور العالق في الحروف لا يزالُ يتسلق المعنى حياً، فتياً، طازجاً كخبز الأمهات.

إن في القصائد مسافرين كُثر لا أوطان لهم غير الصدور، لا يملون أبدا من السفر، والشعور الصادق يحلُ مع الكلمات ويرحل؛ فتموت شعوب، وتولد أخرى، وتفنى دول، وتقوم مكانها دول. والقصائد خالدة لا تموت أبداً.

طافت أرواحنا باتجاه الطائف، علّها تلتقي بما يرتقي بها، ولم نجد أكثر ارتقاء من الالتقاء بروح شاعر، وليس كأي شاعر، بل شاعراً يخطفُ الألباب بعميق شعره، ولا يملك المرء إلا أن يقف صامتاً أمام هذا الكم من الغزارة الشعرية.

اليوم نحن نقف على عتبة من عتبات الشعر الخالدة، نقف أمام ” اَلْحَرْبِيّ ” الذي حارب بالحب حتى انتصر، لم يكُن معهُ سلاح غير قلبه والقلم، ففعل فعل الأبطال بالمعارك بل وأكثر.
اليوم نقف أمام سيرة سفير الشعر السعودي الشاعر الكبير محمد جبر الحربي، والذي ولد بمدينة الطائف سنة 1957.
وعمل في الصحافة السعودية؛ شغل منصب مدير تحرير مكتب جريدة اليوم بالرياض ١٩٨٢-١٩٨١، وكان أيضًا مستشارًا في جريدة الجزيرة السعودية عامي ٩٧-٩٦، أسس مجلة فواصل مع سمو الأمير طلال الرشيد في الرياض ١٩٩٤ وأشرف على تحريرها وتصميمها، أسس مجلة هنا الرياض، ولا يزال مستشارًا لمؤسسة صاحب السمو الأمير بدر بن عبد المحسن..

صدرت له عدة إصدارات أدبية مشرفة من ضمنها الدواوين التالية:
١- بين الصمت والجنون.
٢- ما لم تقله الحرب.
٣- خديجة في ٣ طبعات.
٤- زمان العرب.
٥- حديث الهدهد.
٦-جنان حنايا في طبعتين.
٧- طفولة قلب.
٨- الأعمال الشعرية.
٩-عطر الناس.

١٠ – حاربت بالحب.

كما شارك في عدد كبير من المهرجانات، والفعاليات المحلية، والخليجية، والعربية والعالمية، وتُرجم شعره للإنجليزية والإيطالية والصينية، اختير سفيرا للشعر السعودي في منتدى شعراء العالم، نال جائزة وزارة الثقافة والإعلام عن ديوانه (جنان حنايا ٢٠١٣)، تم تكريمه في وزارة الإعلام ٢٠١٩ في مجمل أعماله.

 

* الشعر خلاصة التجارب والمعارف في كبسولة واحدة

‎فرقد: ‎يقول كريستروفر فراي: “الشعر هو اللغة التي يستكشف فيها الإنسان دهشته” بل وإن الشعر نوع من التطور الإنساني، ومرحلة انتقالية جديدة لمفهوم التعبير. متى -بالضبط- كانت رحلة العبور للشاعر محمد جبر الحربي من هذه التجربة؟ وكيف كان شعورك الأول بعد أول قصيدة؟

محمد جبر الحربي:

‎- نعم هو كل ذلك، لكنك لا تشعر بقيمة ذلك مبكراً، أي بعد القصيدة الأولى، بل تشعر به متى قبضت على جمرة الشعر، فالشعر هو خلاصة مجموع التجارب والمعارف، في كبسولةٍ شعرية، تختلف مكوناتها كل مرة. وأنا كتبت الشعر طفلاً في الطائف، وعرضته على مدرسي في السنة الأولى من الثانوية العامة في الرياض، لكنني لم أشعر بقيمته إلا بعد قراءتي لرواد الشعر الحديث، وفي مقدمتهم السياب، ومن بعده جيل درويش، وسعدي يوسف، وفواز عيد، وأمثالهم عبر الوطن العربي، ومن ثم قراءتي الثانية للتراث الشعري العربي بنظرة جديدة، مع قراءاتي ،في الآداب العالمية، ومنها الثقافة الإغريقية، والأدب الروسي ،والغربي بشكل عام، والفكر العربي، وقضايا الأمة العربية الأساسية، ساعدني على ذلك معرفتي بمثقفين كبار، محلياً وعربياً، عبر السفر والبحث المعرفي بحب، وتم كل ذلك ما بين عامي 79 و 87 م.
‎وقد كان لعملي في الصحافة، دور كبير في التقاط المعاني البعيدة للأحداث، ومعرفة القيمة الحقيقية للكلمة، وبقوة الكلمة، ودورها غير المحدود في التأثير والتغيير وفي أحيانٍ كثيرة في البناء، والهدم والتدمير كذلك.

 

‎فرقد:
‎تقول في قصيدتك : كَبِرْت وَمَا زِلْتُ طِفْلَا:
‎‏كَبِرْت وَمَا زِلْتُ طفْلَا يُخَلِّد بِالشِّـعْرِ أَهْلَا
‎‏يُؤَسِّس ظِلَّاً لِشَمْسٍ وَيَمْسَحُ بِالشَّمْسِ ظِلَّا
‎الإنسان بطبيعته ليس سوى نِتاج تجربة عاشها وعاشته، تحدث لنا عن محمد الطفل، وعن كل الذي عجنه، وشكله؛ ليغدو الشاعر محمد جبر الحربي.

محمد جبر الحربي:

‎عشت رغم اليتم -واليتم محرضٌ أول على تعويض الفقد، بشكل أو آخر، ومن ذلك التميز والإبداع- طفولة ساحرة، في جنة من جنان الأرض، ألا وهي الطائف، الطائف البكر في ذلك الوقت، طائف الطبيعة الساحرة، وطائف المعارف المختلفة، والثقافات المتنوعة.
‎كان الكتاب متوفراً، وكانت الحارة غنية بالمشاهد، واللهجات، والعروض، وكانت المواسم حافلة بالغناء، وكنت طفلاً سعيداً بنعم الأرض والسماء، حيث الضباب والسحاب والمطر والماء، وحيث السهول والجبال، والأشجار، والألوان، ولعلني لا أبالغ إذا قلت إنني لا أزال أكتب، وكل ذلك يرافقني، طوال تنقلي، وسفري إلى اليوم، وأينما نصبت خيمة الكتابة والشعر. وقد بقيت المدن الفاتنة، والأماكن سراً من أسرار كتابتي بعد الطائف كالرياض، والجنوب ،الإنجليزي، وأثينا، ومدريد والأندلس، وعمَّان، ودمشق، وبيروت، وبغداد وصنعاء، والقاهرة، وتونس، والرباط،  ومدن الخليج، إضافة إلى مدن وطني الحبيب شمالاً، وجنوباً، وشرقاً، وغرباً، وهي أعمق بكثير مما ترصده العين المستعجلة، وغيرها كثير من المدن، والقرى بطبيعتها، وناسها البسطاء، ومثقفيها، وصعاليكها، بتاريخها وطبيعتها، والأسئلة الكثيرة المثيرة التي تطرحها علي..!

 

*الثقافة من قبل كانت مغيبة ومُضطهدة

فرقد:
‎يقول فيكتور هوغو: “تبدأ الحرية حين ينتهي الجهل، لأن منح الحرية لجاهل كمنح سلاح لمجنون” برأيك كمثقف عاصر جيلين، ما الذي ينقص الجيل الحالي لتكتمل الرؤية؟

محمد جبر الحربي:

‎- لقد أصبح العالم قريةً صغيرةً بالفعل، وأصبحت كل المعارف، وحصاد العلوم والمكتبات موجودةً في جهازٍ أصغر من حجم الكف، وكل ملفاتك.. نثرك، وشعرك وعملك مخزنةً في ذاكرة تخزين أصغر من حجم إصبعك، تتسع لآلاف الملفات، لكأنك تنقل مكتبتك في جيبك، أينما رحلت، ثم اتسع فضاء الحرية في هذا الوطن المبارك مع رؤية 2030، واستعادت الثقافة بكل مكوناتها دورها الرئيسي، بعد أن كانت مغيبة ومضطهدة، هي وأهلها، بل أصبحت القوة الناعمة بما تتضمنه من ثقافة, وآداب, وفنون, وتراث حضاري, وسياحة نواة للنقلة النوعية, التي تشهدها بلادنا، ثم خيم على العالم وباء كورونا، في وقت استضافتنا لقمة العشرين، ورب ضارة نافعة، فأثبتنا للعالم أن شبابنا، وشاباتنا بعقولهم الجميلة، وعلمهم، وما اكتسبوه من خبرات ومهارات، قادرون على دفع المملكة إلى المقدمة بين الكبار، وأصبحنا قادرين على إنجاز كل شيءٍ عن بعد، وتفوقنا في ذلك، وهكذا لم تعد هناك حواجز تقيد المبدع، في وجود فضاء حر، وقوانين تحفظ له حريته طالما أنه يحترم القوانين، وحريات الآخرين، وتحفظ له حقوقه في التعبير والعمل، والوصول إلى المعلومة، وهذا مهم جداً، فقد كنا نتعب كثيراً، ونواجه مشاكل لا نهاية لها في سبيل الحصول على الكتاب أو المعلومة، وأضعافها عند الكتابة والإبداع، والحمد لله أن كل ذلك الحجر على المعرفة وعلى الإبداع، وكل ذلك الظلم، الذي وقع على المبدعين انتهى، وأصبح من الماضي، فهنيئاً لشباب اليوم الموهوب، وهم ربما احتاجوا إلى مزيد من الرعاية، والالتفات من الجهات المعنية، فيما ،يحتاج من سبقهم، وأوقد أصابعه شموعاً، وأضاء الطريق في ظروف صعبة جداً، إلى التكريم والتقدير، حتى تكون ثقافتنا ثقافة نابعة من التآخي، والتراكم المعرفي لا التضاد والنفي.

 

* نفتخر بقبائلنا العربية                                                                                                                                         

فرقد:
‎تقول في قصيدتك المدينة والشعر:
‎أنا اَلْحَرْبِيُّ عَزْفُ الطيْرِ بَوْحِي
‎وَشِعْرِي وَاحَتِي وَالرُّوح غَابَة
‎‏تحدث لنا عن الفرق بين “الاعتزاز والاعتداد” و”العنصرية القبلية”؟

محمد جبر الحربي:

‎- في المملكة المتحدة، أو بريطانيا العظمى، كما كانت كذلك في الماضي، حين كانت لا تغيب الشمس عن امبراطوريتها، لم تمنع الوحدة مكونات المملكة من الاعتزاز بتراثهم وحضارتهم، ورموزهم، فكان لكل من الانجليز والايرلنديين والاسكوتلنديين والويلش ما يباهون، ويفاخرون به، ومن ذلك اللهجات المحلية، بل إن لندن في مساحتها الكبرى لهجتها الخاصة. وذلك لم يؤثر أبداً على اللغة الإنجليزية الأم، لغة الثقافة والعلوم. وينطبق الأمر على معظم الأوطان. ونحن في الجزيرة العربية، وفي السعودية تحديداً نفتخر بأن لدينا قبائل عربية ضاربة في جذور التاريخ، كان لها أكبر الأثر في تنوع إرثنا الحضاري، كما كان لها أكبر الأثر في نقل الرسالة المحمدية عبر الفتوح، فهم من آزر الرسول صلى الله عليه وسلم، والخلفاء من بعده في نشر الحضارة الإسلامية، كما ساهموا في نقل الثقافة العربية أينما رحلوا، ومن ذلك الشعر الذي تجده في الجنوب الإسباني “الأندلس”، والجنوب الإيطالي كصقلية، وأرجاء العالم، وقبل ذلك العلوم، والفنون والطرز المعمارية، ألخ.. كما غرسوا نخلتهم العربية أينما رحلوا، ونشروا الضاد.. لسانهم العربي المبين.
‎ وعلينا أن لا ننسى أن النبي “العربي” الأمين رسول البشر أجمعين هو من قبيلة قريش،  التي يعتد بها وبنسبه إليها، ونح نصلي عليه، وعلى “آله” وصحبه أجمعين إلى يوم الدين. وقد حظنا الرسول على العناية بالنسل، وغير ذلك كثير، وأنا أحب وأحترم كل القبائل العربية، وأفتخر بأنني من “حرب” أنصار الرسول، وأن جذوري راسخة في المدينة المنورة، ولا مشكلة في ذلك، طالما أنني أضعها ضمن هذا النسيج الفريد، الذي يشكل وطني المملكة العربية السعودية، البلد الموحد الآمن، أنا ضد التعصب والعادات السيئة، التي ليست من الدين، أو الأخلاق في شيء شكلاً ومضموناً.
‎لقد كتب رسول حمزتوف رواية “داغستان بلدي” التي أسَرَت العالم، يمتدح فيها داغستان، ويفتخر بأنه داغستاني، وإن كان روسياً، كما أسرت كثير من المثقفين والمبدعين العرب، الذين هم -للأسف- ضد القبيلة العربية، وضد العروبة والعرب، وهذا أمر، ينم عن جهل، وضيق أفق، كما يدعو للحيرة والأسف.
‎ومن لا يعرف هذه الأرض، تاريخها، والعصاميين من أهلها، من لا يعرف ولا يحب أهله، لن يعجبه كلامي بكل تأكيد..!

‎فرقد:
‎تقول في قصيدتك حاربت بالحب:

‎حَارَبْتُ بِالْحُبِّ حَتَّى عَادَ مُنْتَصِرَاً
‎لا يُهْزَمُ اَلْحُبُّ طَبْعُ اَلْحُبِّ غَلَّابُ

فَالْحُبُّ سِدْرَةُ إِيمَانِي، ومُهْجَتُهَا
‎مِحْرَابيَ الحُبُّ مَا لِلْكُرْهِ مِحْرَابُ

‎لَمْ أعْرِفِ الكُرْهَ طِفْلاً في متاهَتِهِ
‎وَلَا عَرَفْتُ وَأَهْلُ البَيْتِ قَدْ شَابُوا

حتى كَبُرْتُ فَصَارَ الحُبُّ مَدْرَسَتِي
‎وَالرُّفْقَة الدَّرْبُ وَالْكُرَّاسُ وَالبَابُ…

‎برأيك هل كان الحب يستحق؟! وفي كل الحروب هناك خسائر.. ما الذي خسره محمد جبر الحربي في حربه هذه؟ وما كانت غنيمته؟

محمد جبر الحربي:

– أعتقد أن في هذه القصيدة الجواب الشافي، وأعتقد أنني في النهاية عدت منتصراً بالحب وهو أكبر غنيمة .

كل مبدع عانى مع كارهي الحياة.

 

‎فرقد:
‎لديك ديوان اسمه “خديجة” استوقفني اسم الديوان، فهل لتسميته قصة، ومن هي خديجة؟!

محمد جبر الحربي:

‎خديجة هي زوجتي الشاعرة الكبيرة: خديجة يوسف العمري، وقد سميت الديوان على اسم القصيدة، وقصتها قصة خديجة، وكل مبدع عانى المر مع كارهي الحياة، والأوطان، والإبداع.

 

‎فرقد:

‎برأيك ككاتب ذي تجربة غنية في الكتابة، شعراً ونثراً. ما الذي ينقص الأجيال الحالية؟، وما هي نصيحتك لها؟!

محمد الحربي:

‎- يحقق الأنسان مع الإيمان الأهداف، التي يضعها نصب عينيه، ولكن عليه أن يتعب ليصل، وذلك ينطبق على من يملكون موهبة الإبداع، مع عدم استسهال الكتابة، وفهم قيمة الكلمة، رسالتها، وأثرها.

 

فرقد:
‎هُناك وجعٌ خفي خلف كل القصائد، وأحياناً فورة الحب، وربما هي اختلاجات الكلمات التي لا تُقال.. برأيك -بين كل المشاعر- ما هو الشعور القوي؛ الذي يدفع إنساناً أن ينزف كل هذا الكلام؟!

محمد جبر الحربي:

‎- الشعور القوي بالذات، والقدرة على قراءة الذات مع قراءة الواقع.. هذا الجدل الدائم بين الذات والواقع هو ما يولد الإبداع.

 

‎فرقد:

‎لكل الشعراء قصيدةٌ مدللة، رُبما لسبب كتابتها، أو حُباً في الأشخاص الذين كُتبت لهم، أو انتماء للشعور الذي دفع الشاعر أن يكتب.. في قلب محمد جبر الحربي، ما هي القصيدة الأحب؟ ولماذا؟

محمد جبر الحربي:

‎- لا يمكن اختصار تجربتي الشعرية في قصيدة واحدة، فقصائدي كثيرة عبر تجارب، ومراحل متنوعة، وتجريب لا حدود له، لكن لنقل “خديجة”، و”الفارس المطعون بحراب الأهل”، و “المغنِّي” لأنها قدمتني للعالم العربي كشاعر تفعيلة، وكشاعر عربي ملتزم بقضايا وطنه، وأمته، و “حاربت بالحب” و “الوريد وأقرب” و ” الخزامى” لأنها تقول: وهذا أنا أيضاً كشاعر عمود، ولما تحمله من أنهار حب للوطن والأهل، وتأمل عميق، وأفكار وحكمةٍ وغناء.

 

*المدينة المنورة هي الأصل والجذور 

‎فرقد:
‎في قصيدتك المدينة والشعر
‎لَها الْوَرْد:
‎وَإِنِّي أَرَى رُوحِي تَلَاشَى بِرُوحِهَا
‎مَدِينَةُ مَنْ صَاغَ الْجَمَالَ بِرُوحِي
‎وَمَا كُنْتُ مَدَّاحًا. . وَلَكِنَّهُ النَّوَى
‎فَتَبْرَأُ مَا جَادَتْ.. جَمِيعُ جُرُوحِي
‎لَهَا الْوَرْدُ وَالنَّعْنَاعُ وَالْحُبُّ كُلُّهُ
‎وَمِنْها انْطِلَاقَاتُ الْخَيَالِ بِبَوْحِي
‎هل تحنُّ لطيبة؟! وفيها كيف تغنيت بها؟

محمد جبر الحربي:

‎- بكل تأكيد، فهي الأصل والجذور، ورغم أنني منها، وفيها معظم أقربائي، وقبيلتي، فإنني لم أعش فيها، لتنقل والدي رحمة الله عليه عبر مدن الوطن، كما هو حال منسوبي وزارة الدفاع من العصاميين في نشأتها، ولعلني أجد لك أفضل إجابة في هذه الأسطر، وهذا البوح لها، بعد زيارة لها:
‎”لكِ في قلوبنا وعقولنا أنهاركِ الدينية والنبوية والتاريخية والمعرفية الثابتة الراسخة مهما ابتعدنا عنكِ في الأرض، وكلما ازداد وعينا، وازدادت قدرتنا على القراءة الكاشفة، تبدَّت لنا عظمتكِ، عظمة النور الذي بثثته، والنبيِّ العربيِّ الأمين، صلوات الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، الذي احتضنتهِ، وعظمة الرجال، الذين آمنوا به وصدَّقوه، وصدَقُوا فيما عاهدوه، فآزروه ونصروه، فأعطاهم الله حكم الأرض، والرجال الذين غادروكِ فاتحين، ومرسين أعظم وأرحم حضارة عرفتها البشرية، وكان بهم، ولهم بفضل الله نقص الأرض من أطرافها، لتكتمل حضارةٌ أهدت للعالم الخير والعدل والمساواة والسلام، لا كما تفعل حضارات الزيف والحروب والإرهاب والعدوان والنووي والنابالم.
‎وبالأمس عندما تجولت فيك، واحتضنني حرمك، وأحاطني حبُّك وكرمك ، وقرأت روحي بروحك، غالبت دمعي وأنا أحضن الوجوه، التي تقمصت وجه وطيبة والدي، وقد غالبته باستعادة سيرة أمة خرجت عظمتها من هذه الأبواب، وهذه البقاع الطاهرة لتعطر التاريخ والجغرافيا، ما شاء الله. في الحرم كان أحفاد الذين وصلتهم الرسالة على ظهور الإبل والخيل، يعودون إلى نفس المسافات، التي قطعها الفاتحون الأوائل في رحلات أيسر رغم مشقتها، ليصلُّوا على النبي، ويصلُّوا في مسجده.”.
‎أمَّا الشعر فكتبت يها قصائد جميلة منها “زهرة المخمل”، و “سبحان من خلق البلاد كذاتي” وغير ذلك كثير، وهي ترد بتلقائية وعفوية وحب.

 

حصاد العلماء والأدباء دليل نبوغ وعبقرية

‎فرقد:
‎فلسفياً؛ ما هو أقصى مدى لأبعاد عقل الإنسان؟ وبرأيك، هل الكتابة نوع من العبقرية؟ وكيف نستطيع تمييز الكاتب العبقري عن غيره؟

محمد جبر الحربي:

‎- نعم، هي كذلك، ولا حدودَ لقدرات العقل البشري إلا ما كان غيباً في علم الله، ولا حدود للمعارف والعلوم، ولا حدود للكون، كما أن الواقع متغير طوال الوقت، بفضل العقول الجميلة، ونحن نجد في القرآن الكريم التحريض على القراءة (إقرأ)، وعلى النظر والتدبر والتفكير، وفي إشارةٍ بالغة الأهمية إلى قدرات العلم، نجد عبقرية العقل والعلم في سورة  النمل، عندما طلب نبينا سليمان عرش بلقيس: (قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40). لقد تغلب صاحب العلم على العفريت من الجن، والكتابة عظمة الكلام، وعبقرية الحروف، والكون خلق بكلمة الخالق (كن) فيكون، والله وضع في الأنبياء النبوءة والأيات والعبقريات، وكذلك فيمن اختار من خلقه، علماء وأدباء وشعراء، وحصادهم هو الذي يدل على عبقريتهم ونبوغهم.

 

‎فرقد:

تقول هيلين كيلر “الحياة ما هي إلا النجاح في دروس يجب أن تُعاش حتى تُفهم”. في حياة محمد جبر ما هو درسه الكبير؟

محمد جبر الحربي:

‎- التجارب والدروس كثيرة لكن الفقد هو الأكثر تأثيراَ والأعمق، لأنه يعمق الإيمان، ويثري التأمل، ولعل في اليتم ما يدفعك للتعويض، والتميز، وإثبات الذات.

 

القيمة الحقيقية “انسان” وليس “بنيان “

‎فرقد:
‎بوجهة نظرك كمثقف سعودي، ومن خلال نافذة التغيير؛ التي تحصل الآن في السعودية. هل انتعشت الثقافة من جديد؟

محمد جبر الحربي:

‎- أول الخير هو الاعتراف بالتقصير تجاه الثقافة، والفنون، والتراث الحضاري والسياحة لعقود طويلة، وقبل ذلك التقصير في حق المثقفين، ومن ثم محاولة التعويض والنهوض، وفيما يحصل من تغيير مع الرؤية 2030 خيرٌ كثير، فهو مهم وكبير وفي الاتجاه الصحيح، لكنه بطيء، ولعل كورونا أخرت كثيرا من المبادرات، لذلك يجب أن يكون الجهد مضاعفا، كما ينبغي الاهتمام بالمثقف السعودي، والسعي إليه أينما كان، ودعمه، وإشراكه في حركة التغيير، والتنوير والتطوير، ودعم الأفراد قبل دعم الشركات والمؤسسات الكبرى، ومقولة نحن لا ندعم الأفراد من قبل الجهات المعنية يجب أن تزول، فالمثقف السعودي هو الأولى، وهو الأساس، لكنه -للأسف- مبعد، أو مغيَّب بشكل، أو بآخر عن الواجهات، والقيمة الحقيقية في النهاية تكمن في الإنسان قبل البنيان.

 

فرقد:
‎صف لنا الإنسان ” محمد ”‎ في بيت شعري..

محمد جبر الحربي:

‎- الحب ثم الحب ثم الحب:
‎حَارَبْتُ بِالْحُبِّ حَتَّى عَادَ مُنْتَصِرَاً   لَا يُهْزَمُ الْحُبُّ طَبْعُ الْحُبِّ غَلَّابُ.

 

‎فرقد:
‎كلمة توجهها لقرّاء فرقد.

-محمد جبر الحربي:

‎كل يوم جديد، وعدد جديد، وأنتم والوطن بخير، والذي يكتب الآن بخير.