الثلاثاء 20 نوفمبر 2018

محمد جبر الحربي
شاعر وكاتب وإعلامي سعودي، ولد في مدينة الطائف، أسس دار أعراف الرياض للنشر والانتاج والدعاية والإعلان عام ٢٠٠٤م.

أشرف على عدد من الملاحق الأدبية في عدد من الصحف السعودية، وعمل صحفياً متفرغاً في عدة صحف، مشرفاً على الصفحات الثقافية والفنية في مجلة اليمامة، ومستشاراً للتحرير في جريدة الجزيرة.


شارك في عدد كبير من المهرجانات الشعرية واللقاءات الثقافية في المملكة والخليج والعالم العربي منها المربد وجرش وعكاظ.

 

له عدد من الدواوين الشعرية، والكتب منها:

-ديوان "بين الصمت والجنون" عام1983م

-ديوان "مالم تقله الحرب" الصادر في عام 1985م

-ديوان "خديجة" الطبعة الأولى الصادر في عام 1997م

-ديوان "خديجة" الطبعة الثانية الصادر في عام 2006م

-ديوان "زمان العرب" الصادر عن دار أعراف الرياض للنشر في عام 2007م

-ديوان "حديث الهدهد" الصادر عن دار أعراف الرياض للنشر في عام 2007م

- ديوان "جنان حنايا" الصادر عن دار أعراف الرياض للنشر في عام 2012م 

- ديوان "جنان حنايا" الطبعة الثانية الصادر عن دار أعراف الرياض للنشر ودار مدارك للنشر في عام 2014م

- ديوان "طفولة قلب" الصادر عن دار أعراف الرياض للنشر في عام 2014م

- وقد نال مؤخرا جائزة وزارة الثقافة والإعلام للكتاب 1434-2013 عن ديوان جنان حنايا الصادر عن دار أعراف الرياض.

 


سيرة ثقافية
 

فتح لي الشعر والصحافة أبواباً ما كانت لتفتح لسفيرٍ متجولٍ، أو ملحقٍ ثقافي، ونوافذ على عوالم، وعواصم، ومدنٍ، ووجوهٍ، وتجارب لا أول لها ولا آخر.

أُطِلّ من ينابيع الذاكرة عليها اليوم فأرى ما لم يره المتنبي في "شعب بوّان". ولعلّ ما كان ولازال يسعدني هو ثراء وتنوع الأسماء والوجوه والتجارب، وكان كل ذلك يسيرُ في تناغمٍ عجيبٍ فريد. ففي عمّان العاصمة مثلاً كان يجلس إلى طاولة واحدة مليئة بالشعر والحب كل من خالد سعود الزيد، عبد الله البردوني، بلند الحيدري ، ممدوح عدوان، يوسف الصائغ رحمة الله عليهم، وعبد الرزاق عبد الواحد، يوسف أبو لوز.. على سبيل المثال لا الحصر، وغيرهم كثير.

وكان الود والألفة والأدب، وحسن الخلق سائداً رغم اختلاف التجارب والمشارب والمدارس. وقد كانت لي علاقةٌ خاصة بالشعراء والأدباء كبار السن، وكبار القدر والتجربة. وكنت أجد في الجلوس إليهم، والاستماع إلى أحاديثهم وقصائدهم وتجاربهم، متعة ليس بعدها متعة. وكنت أقدمهم وأحترمهم، وأرفع قدرهم، وأُحسن الإصغاء إليهم، وأحرص على خدمتهم ورضاهم، وأرى صدىً لذلك عميقاً فيتعاملهم، وعطر رسائلهم وأحاديثهم، ومنهم خالد سعود الزيد، وإبراهيم الحضراني، وعبد العزيز المقالح، وعبد الله البردوني، وعبدالوهاب البياتي، وبلند الحيدري، وعبد الله بن ادريس، وعبد الله الغذامي، وحسن عبد الله القرشي، وعبد الله الشهيل، وسالم النحّاس، وحسب الشيخ جعفر، ورجاء وفريدة النقاش، ويمنى العيد، ومحمد بنيس، وخالد الكركي، ويوسف الصائغ، وعبد الرزاق عبد الواحد، وممدوح عدوان، وسعدي يوسف، ومحمد علي شمس الدين، وفواز عيد، وقائمةٌ تطولُ وتطولُ وتطول.

لقد كان العمود مزهواً بالتفعيلة، والتناظر بالتدفق والانشطار والتشظّي، والشيوخ بالشباب. ولقد كان القديمُ جديداً، إذ كان الحضراني يقول مازحاً بلهجة محبّبة، وهو في السبعين: أنا أكثركم حداثةً وجِدّةً، لأنني جريءٌ صريح أفعل مالا تستطيعون".، كما كان الحديثُ أصيلاً مُتجذّراً مقتدرا.

كنتُ فرِحاً بصحبة الكبار، وبالشعر الشعر، والشعراء الشعراء.

وأذكر من تلك الأيام قصيدة الإمام الغزالي للشاعر خالد سعود الزيد، الذي كان حبيباً وقريباً، أخاً وأباً وصديقاً، ومطلعها:

 

سيّد الناس لا تزال المعنّىليس فيهم الذي تتمنّى

وقصيدة المعلّم" ليوسف الصائغ، ومصطفى" لعبد الله البردوني، وقد نُشرت جميعها في صفحات اليمامة" الثقافية.

لم يكن لأولئك الرواد مشاكل مع القصيدة الحديثة، ولا مع شعرائها.

لأنهم جميعاً كانوا متجددين، متطورين، متابعين، وقبل ذلك كانت لديهم رحابة صدر، وبعد نظر، وقدرة على التفاعل، وميادين من المحبة للركض الجديد.

وانعكس ذلك على إبداعهم، ولغتهم، ومواقفهم فأحبوا الجميع، وأحبهم الجميع. وكانوا إذا ما اختلفوا ونقدوا واتخذوا موقفا، جاء كلّ ذلك من باب المعرفة لا من باب الأنفة والحميّة والكبر، ومن باب المحبة لا من باب الكراهية والحقد، ومن باب الأبوّة لا من باب النفي والتبرّؤ، ومن باب الأمة لا من باب القطرية المقيت.

 

رحم الله من قضى منهم، وأعان من بقي حاملاً رسالة المحبة، وشعلة الكلمة النزيهة الشريفة العالية.

ترى ما الذي جاء بمطر الشعر؟! لم أعرف جنة أمي التي توفيت، ولي من العمر سنتان، عام 1378هـ، فرعتني أختي الكبرى عائدة رحمهما الله، وكانت بمنزلة الأم حقاً لا قولاً، إلى أن أكملت السنة الأولى الابتدائية في مدرسة "عرين" في الرياض، وما أن عاد والدي من رحلته العلاجية في بيروت حتى عدنا إلى الطائف الجبلي، والندى، والتنوع المثري لعيون الطفولة النهمة المتسعة لدهشة الألوان، والتعدد والاختلاف.

 

كانت الطائف محطة للجموع القادمة من مكة وجدة، والجنوب، وجنوب الجنوب، من البحر والجبال، وما وراء البحار والجبال.

مع هذا الثراء أكملت المرحلة الابتدائية، والأول المتوسط، لدى المغيرة بن شعبة"، وأبي محجن الثقفي" وكنت الأول طيلة تلك السنوات، إن كان لذلك أهمية، إلا أنني كنت محباً للقراءة، وأجيد اللغة، مما أشركني في النشاطات المدرسية، ومنها الإذاعة، والخطابة، فإذا ما وقفت أمام المايكريفون، أو الناس، خجلت، وتلعثمت، فَلحَنْت، وأحرجت أساتذتي الأفاضل المتحمسين لي، العارفين بي دون ما يكريفون.. ودون الأعين الراصدة. ومع ذلك نلت جوائز عديدة كان أثمنها كتابان هما شبهات حول الإسلام" لمحمد قطب، والطريق إلى الإسلام" على ما أذكر، حيث بدأت قراءاتي تأخذ طابعاً جاداً، بعدأن كنت مولعاً وبطريقة سوبرمانية" بالمجلات المصورة لسوبرمان، والوطواط، وميكي ماوس، متنقلاً بين مغامرات أرسين لوبين لألكسندر دوماس على ما أظن، ومغامرات أبي زيد الهلالي، وعنترة العبسي. وأذكر أنني قرأت رواية الأرض الطيبة" خلسة، ملتهماً كل ما ينساه إخوتي من كتب في زوايا البيت الصغير الكبير ذي الأسقف الخشبية، والباحة ذات الورد الطائفي والفل والياسمين.

ولم تكن بساتين الفاكهة.. العنب والرمان والتين، والسحاب والضباب في راحة اليد، والأمطار والسهول والأودية والجداول والجبال، وحدها التي تسرق الطفل.

كان هنالك نبع آسر آخر هو مكتبة السيد " لبيع واستبدال وتأجير الكتب، كنت أتأمل كائناتها العجيبة الغريبة، الصغيرة الكبيرة، الجديدة، المهترئة، جاهلاً، برفقة إخوتي، فإذا بي أتسلل إليها من بعد بشغف كلما كوفئت من والدي.

وفي الأول المتوسط وقعت على جواهر الأدب" ومجموعة من دواوين الشعر العربي بأغلفتها الموحدة الصفراء، فأوغلت في أبوابها، وميادينها الرحبة، فكنت مع جرير على الفرزدق والأخطل، وأتمنى أن يبزهما، وان كنت حزنت حزناً شديداً، وندمت فعلاً ندامة الكسعي على فراق الفرزدق لمطلقته نوار، ولم يفق ذلك الحزن إلا حزني على صخر، ودموع الخنساء، والأطفال زغب الحواصل بذي مرخ. أما زهوي فكان للمتنبي، وكنت أنتصر له على خصومه حتى أني كنت في طفولتي أكرههم إلى درجة الحقد.

لقد كان من متع الطفولة في الطائف الركض في الطقس: القبض على السحاب، واختراق الضباب، والاغتسال بالمطر، وتفقد قوس قزح، والركض في الأرض، تسلق الجبال والصخور، والأشجار، والقفز في الجداول، وصيد أسماك المياه العذبة، وملاحقة الطيور والأرانب والفراشات الزاهية..

وكان النوم جميلاً كنسمات الطائف، يتسلل إلى الأهداب مع غروب الشمس، مع التعب الجميل، ويستقر بعد صلاة العشاء،  هو نوم ملكي في عرش الطفولة الباذخ. ولكن كل تلك المتع لم تمنعني من حضور المعارك العظيمة، واقتحام ساح الوغى، متمسكاً برداء أبي تمام تارة، وتارة في عيون جواهر الأدب ويد المتنبي، وقد أخذت بيدي يد متفضّلةٌ فاضلة، هي يدُ المعلم العالم الموسوعي المبدع الجليل الجميل محمد هيكل. شاميٌّ انتقلَّ بنا في تلك المرحلة من ركود التعليم، إلى دوران الأرض في «الفيصل» الثانوية. كانت المراهقة تفور بأغاني توم جونز، وجيمس براون، والبيتلز، وإلفيس، وصوت الفنان محمد العلي عبر الإذاعة الإنجليزية، وطلال مداح ومحمد عبده، وكانت الرياض تركضُ باتجاه الموكا"، وجهينة، والوادي الأخضر، وشارع العصّارات، والوزير، والثميري، وفلل الضباط.. والأعياد الملونة بالأفلام العربية والأجنبية من المربّع" إلى المائدة.. مائدة اللهفة للطفولة الجائعة للعالم، الطالعة من شجر الأسئلة والتوق.

لكن مائدة معلمي في الأول الثانوي في مدرسة الفيصل بالرياض محمد هيكل كانت أثرى وأروع حين جمع الحياة: مفاتنها ومفاتيحها في طبقٍ واحد هو اللغة، هو النقد والبلاغة، هو القواعد، هو البيان، هو الموسيقى، وهو الشعر.. لقد كانت المقررات الجامدة تتحول على يديه إلى كائناتٍ تتكلم وتغني وترقص. كانت الإيقاعات تملأ المكان، وتحرّك الهواء الساكن الكئيب، وتقتلع الجدران لتطلقنا في حقول الشمس. كانت للطاولات أرجلٌ تمشي بها، وللوح الأسود أعين ويدان، بل كان له وجه شيخٍ باسمٍ كساه بياض الطباشير وقاراً على وقار، لا ينفكّ يوزّع الحكمة، والفرح، والحنان. وهكذا فتح لي هيكل باب اللغة العصيّ ليتلألأ جوهرها السحريّ، ومعينها السَّرِيّ. وهو ما سيتبدّى لاحقاً في العمر: بابُ اللغةِ عظيمٌ، والبوابُ عنيدٌ/ أوقفني ومضى يتفرّس في توقي: اذهبْ/ يا هذا الطفل المتعلّق بالباب اذهب/ قدماي تعانده اذهبْ/ وجهي ويداي اذهب/ لكنك والبواب عنيدٌ، تسمح لي/ دعْ هذا الطفلَ يمرّ، سيكبُرُ فيَّ وبي".

كنت أعرض عليه بداياتي على استحياء، وكان يقترح عليّ بلطف بالغ مفردات بديلة، لتلك الخاطئة، أو الركيكة. وهكذا ظللت وفيَّاً له بعد تخرجي، وسفري، وحتى أوائل الثمانينات الميلادية، إلى أن تفرّقت بنا السبل. أذكره بالعرفان والشكر، وأدعو له بالسعادة والخير أينما مضت به الأيام.

من باب اللغة أعود لباب الحزن. فقد تعلقت بأختي الكبيرة تعلق الطفل بالأم، وكنت أبكي فراقها بمرارة كلما سافرت من الطائف للرياض في السنوات الأولى، وكان السفر غير السفر. إلى أن اضطررت لسفرٍ طويل استمر حتى 1395هـ. وكان هذا البين جمر القصيدة الأولى في الرابعة عشرة، لا أزال أحفظها كما هي، وأوردها دون تعديل:

 

أحقاً أنت عائـــــــــــدةٌ كفاني

فإنّ النوم بعدك قد جفانــــــي

عيوني من بعادك ساهـــرات

وقلبي من فراقك كم يعانــــي

دعاني السعد لما كنتِ عندي

وباب الحزن بعدك قد دعاني

شقيتُ من الزمان فكل يـــومٍ

أرى بؤساً يجودُ به زمانـــي

قطوف الهمّ تدنو من يميــني

وقطفُ السعدِ ناءٍ غير دانـي

سئمت من الحيــاة فما أراها

سوى نعشٍ يضمّ بني زماني

ليس المهم هنا الشعر، ولا اللغة، ولكن حجم الحزن الذي يتكبده ذلك القلب الصغير، لله ما فعلت به الأيام؟!

بيمين المتنبي، مأخوذاً ببريق السيوف والتاريخ والشعر، لم يستطع الجنوب الانجليزي الذي سكنته إثر تخرجي من القسم العلمي للثانوية العامة للتهيئة لدراسة الطب منحي الدفء والانطلاق الذي منحتني إياه في فترات قصيرة متقطعة، عاصمتان للحضارة، مؤسستان ثريتان دافئتان هما دمشق وأثينا.

لقد كنت السياب الغريب المعطل في لندن، ولكنني كنت سعدي، ودرويش وريتسوس الأكثر أسئلة وتقصيا وبحثا. في سورية: يا دمشق البعيدة من ترى في القرى؟! ألخيلك هذا الصهيل وتبكين.. من رام سفحاً، وخلّف تلك الذرى؟".

واليونان:" صِبا أثينا بابها واسع.. وعنوانها ضائعٌ في القصائدِ".

لقد فتحت لي انجلترا نوافذ مهمة على اللغة والموسيقى، والألوان، والطبيعة، والناس، والآخر، والنظام والانتظام والمواعيد الدقيقة، إلا أن منحتها" الأساسية كانت الغربة، تلك البرودة الحارقة. فالتقت الغربتان الداخلية والخارجية، وانفجر الحزنان نهراً أنضجته الأمطار المستمرة، والأغاني الحزينة، والوجوه الخالية من الملامح، والأيدي الباردة التي لا تتحرك، والعيون التي لا تتحدث، والبحر المائج الهائج العابس الأغبر الذي لا يهدأ، ولا يُهدي. أين منه المتوسط الساحر، والأحمر الأليف الشفيف، والخليج المهادِن واهب اللؤلؤ والمحار والشعر!!.

لم يسمح لي الشعر، ولا الروح، أن أشرّح ضفدعاً، أو أتعامل مع مبضعٍ حديدي بارد، أن أدخل القصيدة المختبر، أو أن أكتم أنفاسها برائحة المعقِّمات..

ولم يستطع تفوقي في الصف أن يمنحني التفوق على نفسي، كنت حزينا، وتفجّر حزني فصرختُ أعيدوني إلى طيّا والحِمى، فأعادوني بعد لأي، وبعد خيبةٍ ومرارة!! لم يكن للكلاسيكية، والرومانسية أن تستمرا طويلاً، وكان على العذريين أن يرحلوا، وكان على أبي ريشة، ونزار وأمثالهم أن يتنحوا مشكورين ليتركوا المجال واسعاً لشعرٍ أكثر ارتباطاً باليوم والهم والوطن والناس.

وكان على الأنا أن تأخذ شكلاً جديداً وهي تذوب في القضايا الكبيرة التي فتّقتها في ذهن الفتى الأسئلة الكبيرة، والواقع المرير الذي تكشّف بكل اضطراباته، وكان الفتى غائباً عنه في أناه الصغيرة، وتوهماته النزارية، مزيج من البراءة والسذاجة والأحلام الوردية، والشموع، والقلوب المحطمة.. القلب الوحيد، والقمر البعيد، والحبيب الذي لا يجيب!! ثم زالت الغشاوة، فأصبحت لفلسطين عين، وللبنان عين، ثم امتزجتا فأصبحتا الأفق. وكان القلب في الرياض، كان القلب الرياض، وكانت الرياض القلب، لا انفكاك بعد ذلك، حين أن نمت شجرة العشق الأول" وأثمرت.

أو ليس غريباً أن تكون نقيض من تعجب بهم؟! عام 77م، وفي الجنوب الإنجليزي، تعرفت على عثمان العمير. استوقفني بجنونه، وآرائه الغريبة الجريئة، وحبه للشعر، وللمتنبي بشكل خاص. كان يخطط لحياة جديدة، وصحافة مغايرة، ويحلم بإقامة دائمة في لندن. وكنت أخطط لعودة سريعة، وإقامة دائمة في الرياض وقد استغرب ذلك، وحاول ثنيي، وأبى العنفوان حينذاك.

عام 79م، زرته في مكتبه، في جريدة الجزيرة، في الناصرية، وضعت ملفاً لمحاولات شعرية بريئة، وضعها بدوره بين يدي نسيم الصمادي، بعد ان عرفني عليه قائلا: سننشر منها ما هو قابل للنشر. وبعد ذلك، نشرت تباعا. كان الصمادي متفائلاً بمقدم شاعر جديد، وعبرها، تعرفت على بقية الراكضين ومنهم صالح الأشقر، سعد الدوسري، صالح الصالح، علي الشامي، عبد الله الكويليت.. وغيرهم كثير. وعبرهم تعرفت على عالم آخر هو عبد الله الصيخان، ومعه سعد الحميدين وداود الشريان. كان فضاء عثمان العمير مغرياً، ورغم التنافس الشديد بين الجزيرة والرياض، تعرفت لديه على أعلام المطبوعتين: فوزان الدبيبي رحمه الله، يوسف الكويليت، محمد الجحلان، محمد أبا حسين، سليمان العصيمي، حسين الفراج، محمد التونسي، محمد العوام، إضافة الى عدد كبير، بينهم اثنان أحببتهما، ناصر الغنيم، وشاب مختلف، مُقبل على الحياة والإعلام بقوة، هو العزيز الدؤوب المتنقل الراحل صالح العزاز رحمه الله، وغفر له، وجزاه أحسن الثواب على أعماله الخيّرة النبيلة الجميلة، الماضية والباقية، إن شاء الله تعالى. كنت شغوفاً بالشعر والحياة، وهذه العوالم الجديدة، كثير القراءة أتطور بسرعة مذهلة كما يرى الصمادي والأشقر، وكان الجميع فرحين بهذا القادم الجديد، يستمعون إليه، ويطلبونه للقراءة، يشجعونه، ويهدونه النصح والكتب، والأسئلة التي تظل تعصف في الذاكرة!!

كنتُ أعمل في وظيفة ممتعة غريبة فني علاقات موظفين" في شركة صيانكو، منتسباً لجامعة الملك سعود، عابراً الإعلام، متجهاً للصحافة.

في العمل تعرفت على شاب فلسطيني رائع خلوق هو محمد السقا، عرّفني على السيّاب، ودرويش وسميح القاسم ومجموعة كبيرة من الشعراء الفلسطينيين.

ولكنني تركت فن العلاقات" ما إن اختارني صالح العزاز لمكتب جريدة اليوم في الرياض، إذ أصبح رئيسا لتحريرها بالإنابة. ومعه تعرفت على نخبة من مثقفي المنطقة الشرقية، وكنت أعرفهم عبر المربد الثقافي للجريدة ومنهم محمد العلي، علي الدميني، محمد الدميني، عبد العزيز مشري، عبد الرؤوف الغزال إلى آخر القائمة. مع العزاز تعرفت على الصحافة من الداخل، على الصحف الخليجية والعربية بشكل أعمق، على ناجي العلي الذي فتح عينيَّ أكثر على جراح الأمة العربية وقضيتها الأهم: القضية الفلسطينية.

سلّمني صالح مفاتيح كثيرة ثم انزوى في غرفة لم يسلمني مفتاحها، وما كان يملكه، فاضطررت لترك جريدة اليوم: دمعة في القلب، وحرقة في العين، وأسئلة مندفعة متلاحقة كمطر الصحراء. لجأت للشعر والأصدقاء، ثم وجدت سلوتي في الروايات الطويلة، لتولستوي، ودويستوفيسكي، كازانتزاكس، منيف، جبرا وترجماته.. وعدت إلى موسيقى موزارت، وشوبان، وتشايكوفيسكي.

أحببت البيانو المنفرد، لأنه يأتي من بعيد، يملأ الفضاء بذكرى الذين أحبهم، دون أن يسرقني من قراءاتي، وكتاباتي، ويضع لي سلالم أصعد بها إلى عوالم لا يعرفها أحد غيري.

غاب صالح العزاز، ولم تُلزمني جريدة اليوم خندق الأمس، فبالإضافة إلى أصدقاء الحرف، لم تنقطع صلتي بأصدقاء الطفولة والصبا فيحي الضبّاط"، ومدارس الأبناء" والفيصل"، خصوصاً عبدالرحمن البلوي، وطلال مرزا الفنان دونما قلم أو ريشة، والذي تعرف على مصمم أزياء عالمي فريد، واشترك معه في تشكيل بيت لها استحوذ على إعجاب الجميع، كان يطلّ على شارع الستين في الملز، ويطلّ عليه الباحثون عن الجمال والذوق الرفيع.

عملت في حقل الربيع هذا. كنت أقرأ، وأكتب، وأنشر. كان كرماً ومحبة من طلال الذي كان يؤمن بموهبتي وقدراتي، وباليوم الذي أنزل فيه منزلي.

معه تعرفت على باريس، وهونج كونج، وأسرار النباتات، والإضاءة، وعالم الألوان: الروعة في انسجامها وتضادها.

ومعي تعرف على الشعر وأصدقاء الشعر، وكان يعرف أنني مبحرٌ نحو عوالمه لا محالة. كان الشاعر عبد الله الصيخان الذي أخذت تتنامى علاقتي به تنامي النعناع المديني، يوحي لي بأن عالمي هو الصحافة، ومستقبلي فيها. ويدفعني دفعاً جميلاً بهذا الاتجاه. إلى أن قررت في يوم ممطرٍ من أيام 83م أن أطرق باب الدكتور فهد العرابي الحارثي متحصناً بدعوةٍ سابقةٍ كريمةٍ منه للعمل في مجلةاليمامة كان قدمّها لي أثناء عملي في جريدة اليوم، فيا خيل اصهلي، ويا يمامة أقبلي.

لم يكلّ متني، وخرجت من مكتبه بعد عشر دقائق بدّد فيها ذلك الشعور الذي لا يوصف، ولا يعرفه إلاّ الباحث عن العمل الشريف المثمر، والمحتاج له مسئولاً عن القسم الثقافي، محرراً متفرغاً امتدتلسنوات سبع مفعمة بالجمال، والحب، والحياة بكل ما تحمله الحياة من حياة. سنوات سريعةٌ قصيرة، حَالِيةٌ مريرة سنوات ساحرة ساهرة، زكيّةٌ باهرة طاهرة. سنوات شاعِرة. كان الدكتور فهد الحارثي صحفياً بارعاً بحق، حضارياً حاضر البديهة. كان منظماً مبرمجاً يعرف عمله، والذين يعملون معه. فكان يفجّر طاقاتهم.لديه حس عال بالجمال والفن، وعين مدرّبة على الكشف عنه. أحب باريس: ثقافتها، لغتها، حضارتها، ولكنه أحب الطائف موطنه، لغته العربية التي أجادها بفن النّابه" مميّزا، تحفّ به مجموعة من الشباب السعودي الوطني المتميز ثقافة ووعياً، المتطلع إلى صحافة مغايرة تتجاوز لتنضمّ إلى طليعة الصحافة العربية، وكان لليمامة ذلك بإجماع الناس الذين كانوا يتسابقون على اقتنائها أسبوعياً حتى نفادها، والمثقفون في الداخل والخارج كانوا يتسابقون للنشر فيها. كان الحارثي يؤمن بالعمل الجماعي، فكانت القضايا، التحقيقات، الاستكتاب، الغلاف، التبويب، العناوين.. كل ذلك وغيره يصدُرُ عن اجتماعات تحريرية يومية، أسبوعية، شهرية ودورية يدلي فيها الجميع بآرائهم.

كانت اليمامة تٌصاغ من الغلاف إلى الغلاف بلغة عربية عالية، وبنَفَسٍ واحد، وكانت تصدر عن ثقافة عربية عالية. وكانت قضيتها قضية الأسبوع" هي قضية الناس في أعمالهم ومجالسهم ومنتدياتهم.تعلمت في مدرسة اليمامة الصحافة من الألف إلى الياء. ونَمَت فيها شجرة الحب: حب الوطن، وحب الناس: معرفة مشاكلهم وتطلعاتهم، وعدم إهمالٍ بريدهم، فلم أهمل رسالة من قارىء طوال عمري. ومن هنا نشأت فكرة «أصوات». من هنا حلّقت الأصوات في سماء الإبداع.

ما تأسست هيئة استشارية، ولا انبثقت لجان، ولا رُشّح أعضاء، ولا اعتمدت ميزانية. ما عقد اجتماع ولا أرجئ ولا قرر مؤتمرون، ما صدر بيان، ولا وزِّعت جداول، ولا رشحت نتائج: كل ما حصل أن البريد قد فاض على الصفحات الثماني المخصصة للثقافة، فجمعته، مع تصور لملحق غير دوري يعنى بالإبداع الجديد، ويصدر كلما سمح البريد. وافق عليه الدكتور فهد الحارثي، وصدرت منه ثلاثة ملفات غير دورية، الأول منها في 13 رمضان 1406هـ، ثم أصبح ملفاً شهرياً يعنى بأدب الشباب منذ 17 ربيع الأول 1407هـ .

وضع التصميم الإخراجي له منذ العدد الثاني الصديق الفنان أسعد شحادة، وساعدني على تعبه، وإخراج كامل أعداده الزميل والصديق الخلوق المخرج حسن خزعل، وبقية الزملاء في القسم الفني.

والحقيقة أن الملف الذي قرّر، وببساطة، الغناء دون مقدّمات في الملف الأول «مجموعة من الأصوات الشابة تمسك بمفاتيح الغناء، وتحاول المشاركة في عزف النغم الخالد»، قد أصبح خلال فترة وجيزة قائداً لأوركسترا الإبداع الجديد في المملكة. لا بل صار مطلباً ملحّاً لمبدعين معروفين في الساحة، يفضلونه للنشر على الصفحات الثقافية كمحمد علوان، وعبدالله باخشوين وعلي الدميني على سبيل المثال. جمع الملف فرادة الضوء واللون، التشكيل والتصوير، الشعر والقصة والكتابة الحرة. الأصيل والجديد، الكلاسيكي والحديث، العمود والتفعيلة والنثر.

وتجمع للملف مجموعة فريدة من الأصوات أورد بعضها للمثال لا الحصر: كعبدالرحمن الدرعان، عبدالرحمن موكلي، تركي الناصر السديري، ليلى الأحيدب، عبدالعزيز السويد، عبدالرحمن السعد، يوسف المحيميد، ابراهيم تراوري، هدى الدغفق، هاشم الجحدلي، عواض العصيمي، عبدالمحسن يوسف، عبده خال. وساهم في إلقاء الأضواء النقدية عليه مجموعة كبيرة من النقاد منهم د. سعد البازعي، د. محمد الشنطي، فائز أبا، د. عالي القرشي، د. سعيد السريحي، علي الدميني.. وكان يساعدني في قراءة القصص وتقديمها الصديق المبدع سعد الدوسري. وقد نمت مع الملحق تجربة فريدة أخرى، وهي قراءة الأصوات لأصواتها كما فعلت ليلى الأحيدب، وغيرها.. جاء البريد بالإبداع من فرسان، وضمد، وجازان، وطبرجل، وثول، وبريدة، وحائل، والقطيف، والقريات، والخرج، وحالة عمار، والباحة. جاء من كل من مكان دون واسطة ولا مقدمات وكان الشرط الوحيد للنشر هو الرغبة في الإبداع والتغريد.

لقد كان ملف أصوات على رغم صغره، كبيراً في طموحاته، جريئاً في لغته وطروحاته. وقد اختار صورة قاتمة لجندي من جنود العدو الإسرائيلي غلافاً لأحد أعداده، ومما جاء في الافتتاحية: لقد اخترنا غلافنا هذا، لكي لا ننسى أننا مهدّدون، واننا لا بد أن نقاتل، وعلى كل الجبهات. وان هذا هو خيارنا الثقافي".. وفي أقصى حالات الأمة حرجاً، كان الدفاع لا عن الكيان، بل عن عمود الشعر. وكان الاصطدام لا مع الخارج العدو، بل مع الداخل: العمود/ التفعيلة/ النثر/ القصة/ القصيدة/ اللاشكل/ الواقعي/ البنيوي.."، أو لربما كانت شاهدة القبر التي كتب عليها حنظلة ناجي العلي: أنا أفكر، إذا أنا موجود" دليلاً آخر على وعي ثاقب مبكر لدى الملف، ولربما كانت وعياً كذلك بالمصير المحتوم الذي سيواجهه، وهو التوقف المبكر.

وقد أوقف مع صنوه ملف الطفل، التجربة الصحفية الناجحة للزميل سعد الدوسري لإنشاء صحافة طفل مميزة مغايرة. كان السبب الظاهر الذي سمعناه هو أن نجومية الملفين، أو غرق المشرفين عليهما في بحر النجومية مما أدى إلى إغفال صفحات اليمامة الأساسية، أو المطبوعة الأم، وكان ذلك مبرراً كافياً، وهذا ما تمّ.

والحقيقة أن الملفين كانا نجمين بكل معاني النجومية. أما صاحباهما فلم يكونا ليضعا اسميهما وإن كان من حقهما على جهدهما وعرقهما. فلقد اكتفيت بوضع اسم أصوات" أو محمد الحربي، أو م/ح في ذيل الصفحة الداخلية، واكتفى سعد الدوسري بمجد الصحافيين الصغار أنفسهم. المهم أن تجربة جميلة مميزة انتهت، بعد أن أثْرت، وأثَّرت، وتركت علامة فارقة في العمل الصحفي الثقافي المحلّي رغم قصر عمره.